محمد حسين هيكل

74

حياة محمد ( ص )

فقالت قريش لعبد المطلب ، وكان أثناء ذلك كله واقفا يدعو ربه : قد رضي ربّك يا عبد المطلب . قال عبد المطلب : لا واللّه ، حتى أضرب عليها ثلاث مرّات . وفي المرّات الثلاث خرجت القداح على الإبل ؛ فاطمأن عبد المطلب إلى رضاء ربه ونحرت الإبل ، ثم تركت لا يصدّ عنها إنسان ولا سبع . بذلك تجري كتب السيرة فتصف طرفا من عادات العرب وعقائدها وأوضاع هذه العقائد ، وتدلّ في الوقت نفسه على ما بلغت مكة في بلاد العرب من مقام كريم ببيتها الحرام . ويروي الطبري ، استدلالا على قصة الفداء ، هذه ، أن امرأة من المسلمين نذرت إن فعلت كذا لتنحرنّ ابنها . وفعلت ذلك الأمر ، ثم ذهبت إلى عبد اللّه بن عمر فلم ير في فتياها شيئا ، فذهبت إلى عبد اللّه بن العبّاس فأفتاها بأن تنحر مائة من الإبل ، كما كان الأمر في فداء عبد اللّه بن عبد المطلب ، فلما عرف ذلك مروان والي المدينة أنكره ، وقال : لانذر في معصية . أدّت مكانة مكة ومقام بيتها الحرام إلى إقامة بعض البلاد البعيدة معابد فيها لعلّها تصرف الناس عن مكة وعن بيتها . فأقام الغساسنة بيتا بالحيرة . وأقام أبرهة الأشرم بيتا باليمن . فلم يغن ذلك العرب عن بيت مكة ولا هو صرفهم عن البلد الحرام . وقد عني أبرهة بزخرفة بيت اليمن غاية العناية ، وجلب له من فاخر الأثاث ما خيّل إليه معه أنه صارف العرب وصارف أهل مكة أنفسهم إليه . فلمّا رأى العرب لا تتجه إلا إلى البيت العتيق ، ورأى أهل اليمن يدعون البيت الذي بني ولا يعتبرون حجّهم مقبولا إلا بمكة ، لم يجد عامل النجاشي وسيلة إلا هدم بيت إبراهيم وإسماعيل . وتهيأ للحرب في جيش لجب من الحبشة تقدّمه على فيل عظيم ركبه . وسمعت العرب بذلك . فخافت العاقبة وعظم عليها أن يقدم رجل حبشيّ على هدم بيت حجهم ومقام أصنامهم . وهبّ رجل ، كان من أشراف أهل اليمن وملوكها يدعى ذا نفر ، فاستنفر قومه ومن أجاب من غيرهم من العرب لمقاتلة أبرهة وصدّه عما يريد من هدم بيت اللّه . لكنه لم يستطع أن يثبت لأبرهة بل هزم وأخذ أسيرا . وهزم كذلك نفيل بن حبيب الخثعمي حين جمع قومه من قبيلتي شهران وناهس وأخذ كذلك أسيرا ، فأقام نفسه دليلا لأبرهة وجيشه . فلما نزل أبرهة الطائف كلّمه أهلها بأن بيتهم ليس هو البيت الذي يريد ، إنما هو بيت اللّات ، وبعثوا معه من يدلهم على مكة . فلما اقترب أبرهة من مكة بعث رجلا من الجيش على فرسان له ، فساق إليه أموال أهل تهامة من قريش وغيرهم وبينها مائة بعير لعبد المطّلب بن هاشم . وهمّت قريش ومن معه من أهل مكة بقتاله ، ثم رأوا أن لا طاقة لهم به . وبعث أبرهة رجلا من رجاله يدعى حناطة الحميري سأل عن سيد مكة ، فذهبوا به إلى عبد المطلب بن هاشم ، فأبلغه رسالة أبرهة إليه ، أنه لم يأت لحرب وإنّما جاء لهدم البيت ؛ فإن لم تحاربه مكة فلا حاجة به لدماء أهلها فلمّا ذكر له عبد المطلب وأجابه إلى ردّ إبله إليه . لكنه أبى إباء تاما كل حديث في أمر الكعبة ورجوعه عن هدمها ، ورفض ما عرض عليه وفد مكة من النزول له عن ثلث ثروة تهامة . وعاد عبد المطلب قومه إلى مكة ؛ فنصح للناس أن يخرجوا منها إلى شعاب الجبل خيفة أبرهة وجيشه حين يدخلون البلد الحرام لهدم البيت العتيق . وكانت ليلة ليلاء تلك التي فكّر فيها القوم في هجر بلدهم وما هو نازل به وبهم . ذهب عبد المطلب ومعه نفر من قريش فأخذ حلقة باب الكعبة وجعل يدعو ويدعون يستنصرون آلهتهم على هذا المعتدي على بيت اللّه . فلما انصرفوا وخلت مكة منهم وآن لأبرهة أن يوجّه جيشه ليتمّ ما اعتزم فيهدم البيت ويعود أدراجه إلى اليمن ، كان وباء الجدريّ قد تفشى بالجيش وبدأ يفتك به ؛ وكان فتكه ذريعا لم يعهد من قبل قطّ . ولعل جراثيم الوباء